 |
| كاريكاتير |
الرشوة مصلحة عامة..!
[2010-03-30]
[تعليقات (0)]
من بين أهم الكتب التي ألفها “دايل كرنيجي” كتاب قيم، عنوانه: «دع القلق وابدأ الحياة».عند قراءته يستشف القارئ المغربي، محدودية التجارب الحياتية لدى المؤلف الإنجليزي. فلو عاش في بلد مثل المغرب لجاء عنوان كتابه على هذا الشكل: «دع الحياة وابدأ القلق..!»
القلق في بلادنا يمكن أن تتلظى به في كل مكان: في السوق، في العمل، أمام التلفزيون، في المستشفى، في الحمام، أثناء استماعك لخطب الساسة، في الشارع، في الإدارة، وأنت تتفرج على فضائح المنتخب المغربي، وفي كل مناحي الحياة العامة..
للأمانة وللتاريخ (وللجغرافيا أيضا)، ففي إداراتنا يوجد فائض من هذا القلق، ويتعداه الأمر إلى أشياء أخرى بالغة الخطورة، مثل أن تظهر أعراض السكري، وضغط الدم والكوليستيرول، والإسهال، ومغص الأمعاء، والقائمة طويلة..
أول ما يصاب به المواطن البسيط في الإدارة (العمومية) هو عسر الهضم، وذلك بمجرد أن تلوح له الوجوه المكفهرة.. والمكاتب العتيقة.. والنظرات الزائغة.. لكن الأمر يصير أكثر صعوبة عندما تبدأ طاحونة الإشارات، والعلامات، والرسائل المشفرة وغير المشفرة، والتي يكون الهدف منها دفع المواطن إلى ” تسديد” إتاوات ورشاوى..
وتحدث تلك الإشارات إرهابا نفسيا عميقا، وارتباكا بالغا لدى المواطن، حيث تنقلب الصورة النمطية التي ترسبت في ذهنه عبر مراحل، والتي يبدو فيها الإداري كـ “أستاذ” قضى معظم حياته في التحصيل العلمي والمعرفي، (وحيث إن المعرفة هي صنو الأخلاق، في الوعي الجمعي)، تنقلب رأسا على عقب بمجرد أن يعلم المواطن أن الإداري يتقاطع مع المتسول ـالذي يستجدي الناس في الشوارع ـ في الكثير من الأفعال، و التمظهرات.. وأحيانا يتشاركان في نفس القاموس اللغوي..!
بإمكان المواطن البسيط أن ينسى موضوع الرشوة في جانبها المادي الصرف، لكن يصعب القول، حقيقة، أنه يهضمها كفعل غير أخلاقي، وكصورة مقلوبة، وموغلة في التناقض، بين المواطن (الذي يدفع عمولة مادية هي “مساعدة” أو “قهيوة” أو “صدقة”!!) و الإداري (القابض) الذي يمثل “الحكومة” و “الدولة” بكل ثقلهما الرمزي.. إذ تذهب كل تلك الهالة الرمزية أدراج الرياح، بمجرد بسط اليد مقابل رشوة قد تكون تافهة وغير ذات قيمة تذكر..
في الغالب يتذرع الإداري، في سبيل أخذ الرشوة بجملة من الذرائع، يأتي بها كمظلة واقية من الزلزال النفسي الذي يحدثه فعل الارتشاء. مثل التذكير مثلا بتواضع راتبه أمام صاروخية الأسعار.. لكن في المقابل يتم غض الطرف بشكل مريب عن حالة المواطن المدفوع إلى تسديد الرشوة من عرق جبينه، مع أن المعادلة تقول:
« إذا كان الإداري مذبوحا فإن المواطن البسيط يعد مسلوخا..» ولا حاجة لنا للمقارنة مع وجود الفارق..! لكن فعل الارتشاء في إداراتنا أضحت له بعض “المشروعية” التي اكتسبها بفعل التقادم، أو بفعل غض الطرف المستمر.. ولنقل إن هذا المرض أضحى مع الزمن ثقافة مغربية قائمة بذاتها، فإذا ما فكر شاب مقبل على الولوج إلى منصب إداري في شيء فإنه يفكر في الرشوة..! حيث يسيل لعابه عليها في ذهنه.. وحتى الحملات التي حاولت الحد منها، كانت دائما محتشمة وغير فعالة ومحدودة الأثر، مما دفع الكثير من المواطنين إلى الاعتقاد بأن الرشوة هي “مصلحة عامة!!” قبل كل شيء، لها ألف مبرر للوجود، وخلقت لتعوض النقص الفادح في رواتب الموظفين..!
وفي كل الأحوال، ليست الرشوة سوى نقطة صغيرة، في بحر كبير يدعى: الفساد الإداري |
(عبدالغني) |
تعليقات: |
|
|
أضف تعليقك:
|
|